«بوستر يجمع صور المهرجانات السينمائية «مهرجان القاهرة، ومهرجان الجونة، ومهرجان أسوان
تُقام المهرجانات السينمائية على مدار العام في تتابع مستمر، حيث يبدأ مهرجان عند نهاية آخر، وهكذا الحال على الدوام. فلن يُحرم محبو السينما من مشاهدة الأفلام السينمائية الجديدة والجيدة، ولا من الفعاليات الأخرى في مختلف أنحاء العالم.
ورغم قِدم وجودها، إلا أن هناك لبسًا لا يزال موجودًا حول أهمية ودور المهرجانات السينمائية. فهل هي مجرد فعالية تُقام على السجادة الحمراء بملابس غريبة، وفي حضور الفنانين الكبار؟ أم هي فقط عرض للأفلام المشاركة؟ أم أن هناك ما هو أبعد من ذلك؟
قد يكون هناك جانب آخر من المهرجانات السينمائية لا يُسلَّط عليه الضوء بالشكل الكافي، رغم أهميته الكبيرة في دعم السينما والمشاريع الفنية الجيدة، والمواهب الشابة المتفردة.
وخلال هذا المقال سوف نتعرف على هذا الجانب من واقع تجربة شخصية مع المهرجانات السينمائية الدولية الموجودة على الأراضي المصرية، وبالتحديد: مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، ومهرجان الجونة السينمائي الدولي، ومهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة.
ففي خلال العام السابق شاركت في فعاليات تابعة لهذه المهرجانات الثلاثة، وكنت قريبًا بالشكل الكافي لتلمُّس الأثر الذي تحققه هذه البرامج، والدور المهم الذي تلعبه من خلال خلق مساحة لصناع الأفلام الشباب للاشتباك مع الصناعة بمختلف أطرافها من مخرجين، ومنتجين، وممثلين، وكتاب، ومبرمجين، وغيرهم من المتخصصين.
وفي الحقيقة، التي أدعي بيانها خلال هذه المقالة، كانت التجربة مثمرة من عدة نواحٍ، ولكنها أيضًا كانت صادمة في مرات أخرى، وهو ما دفعني إلى إعادة التفكير في طبيعة الدور الذي تؤديه هذه البرامج، ومدى قدرتها على تحقيق الأهداف التي تعلنها.
(١)
توفر المهرجانات السينمائية شاشات عرض بديلة لنوعية من الأفلام لن تجد الاهتمام المناسب من جمهور السينمات التجارية، فلدينا، من واقع الحياة المُشاهَدة، نوع من الأفلام يتم عرضه بشكل موسع في السينمات، ويحصد إشادة الجمهور، ويحقق نجاحًا ضخمًا بالقياس إلى شباك التذاكر.
إلى جانب هذه الأفلام، التي تكون في العادة معنية أكثر بتقديم تجربة مشاهدة ممتعة ومسلية للمشاهد، هناك نوع آخر من السينما يهتم بتقديم أفكار مغايرة، يُعرض بشكل محدود في المهرجانات السينمائية، ويحصد إشادة النقاد، ويحقق نجاحًا ضخمًا بمقياس الجوائز والمشاركات.
إذًا، نحن أمام أنواع مختلفة، لكل منها مسار خاص مناسب لها. ويعرف صناع الأفلام جيدًا هذا التقسيم، ويكون نصب أعينهم عند صناعة الفيلم، بحيث يكون لكل صانع اتجاه حسب طبيعة فيلمه.
إلى جانب ذلك، تحرص المهرجانات السينمائية على وجود فعاليات سينمائية أخرى بجانب عروض الأفلام، منها: ندوات ومؤتمرات، وورش عمل، بحيث تقدم تجربة كاملة من المعرفة السينمائية.
ومؤخرًا استحدثت بعض المهرجانات برنامجًا جديدًا، الهدف منه دعم صناع الأفلام الشباب عن طريق توفير فرص للتواجد من خلال إقامة مدفوعة طوال فترة المهرجان، كما يوفر للمشاركين حضورًا مجانيًا للعروض والفعاليات السينمائية، ويعمل على إيجاد وتوفير احتكاك بين المشاركين من الصناع الشباب وأصحاب الخبرة من خلال لقاءات يُتاح لهم فيها فتح حوار مطول مع كل متخصص للاستفادة من خبرته.
(2)
قد تكون تجربة مهرجان الجونة التجربة الأكثر تكاملًا من حيث الفرصة التي يتم توفيرها للمشاركين، والخدمات التي يقدمها المهرجان للمشاركين من حيث الحضور المكثف للأفلام، والورش، والندوات، والمناقشات، وكذلك توفير أماكن مناسبة ومميزة للمشاركين.
يحدثنا أحمد حسين؛ وهو صانع أفلام، وأحد المشاركين في البرنامج في نسخته الأخيرة عن تجربته قائلًا: "في زياراتي لكلٍ من مهرجان الجونة السينمائي ومهرجان القاهرة السينمائي، كان الاختلاف الأوضح بالنسبة لي لا يتعلق بالأفلام المعروضة بقدر ما يتعلق بالأشخاص الجالسين في القاعات والممرات المحيطة بها. ففي الجونة، بدا معظم الشباب الحاضرين أقرب إلى صناع أفلام محتملين منهم إلى مشاهدين، يحمل كل منهم مشروعًا أو فكرة، ويبحث عن منتج أو شريك أو فرصة لقاء عابرة مع اسم مؤثر قد تساعده على دفع مشروعه خطوة إلى الأمام، حتى الأحاديث الجانبية بين العروض كانت تدور غالبًا حول المنح، والإنتاج المشترك، والتواصل مع المنتجين، وفرص التطوير. كان الشعور السائد أن الجميع يحاول الاقتراب خطوة إضافية من صناعة الفيلم.
أما في القاهرة فبدت العلاقة مع السينما أكثر بساطة وأقل نفعية، كثير من الحاضرين كانوا هناك لأنهم يريدون فقط مشاهدة الأفلام، يقفون في الطوابير من أجل عرض نسخة فيلم مرمم، ويتناقشون بعده حول النهاية أو أداء الممثلين كأنهم يرونه لأول مرة. الأحاديث هنا لا تبدأ عادة بسؤال: «على ماذا تعمل الآن؟» بل بسؤال: «ما الفيلم الذي شاهدته اليوم؟»، مذكرًا إياي مهرجان القاهرة بوظيفة السينما الأولى: أن تُشاهد قبل أن تُنتج.
لا يعني ذلك أن أحد النموذجين أفضل من الآخر، فالجونة يوفر مساحة مهمة للقاءات المهنية وصناعة الفرص، بينما يمنح القاهرة إحساسًا أعمق بوجود مجتمع من المتفرجين الحقيقيين. لكن بالنسبة لي، كان من المثير ملاحظة كيف يمكن لمهرجانين سينمائيين في البلد نفسه أن يقدما تصورين مختلفين تمامًا لمعنى الحضور إلى السينما، مرة باعتبارها مهنة محتملة، ومرة باعتبارها تجربة تستحق أن تُعاش لذاتها.
(٣)
ضمن جهوده الرامية إلى دعم المواهب الشابة وإتاحة الفرصة أمام جيل جديد من صناع الأفلام للتعرف على الصناعة عن قرب، أطلق مهرجان القاهرة السينمائي الدولي برنامج «الموجة الجديدة» (New Wave)، الذي يقوم على استضافة عدد من الشباب المهتمين بالسينما وصناعة الأفلام، وإتاحة الفرصة لهم لحضور عروض المهرجان وندواته وورش العمل والفعاليات المختلفة المصاحبة له.
ورغم أن البرنامج ما زال في مراحله الأولى، ولا يمكن مقارنته من حيث الحجم أو الإمكانيات ببعض المبادرات المشابهة في مهرجانات أخرى، فإنه يمثل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح. فمثل هذه البرامج لا تقتصر أهميتها على مشاهدة الأفلام فحسب، بل تكمن أيضًا في خلق مساحة للتعلم والاحتكاك المباشر بالصناعة والعاملين فيها، وهو ما يحتاج إليه كثير من صناع الأفلام الشباب في بداياتهم.
وتزداد أهمية هذه المبادرات بالنسبة للمشاركين القادمين من خارج القاهرة، الذين لا تتاح لهم في العادة فرص منتظمة لحضور الفعاليات السينمائية الكبرى أو التواصل المباشر مع العاملين في المجال. ومن هنا تبدو قيمة البرنامج في كونه يساهم، ولو بصورة أولية، في تقليل الفجوة بين المركز والأطراف، وفتح المجال أمام عدد أكبر من الشباب للاطلاع على ما يجري داخل الصناعة.
ويُجيب عن سؤال أهمية حضور المهرجانات السينمائية بالنسبة لصناع الأفلام الشباب، الأستاذ محمد طارق، المدير الفني لمهرجان القاهرة، قائلًا:
«في رأيي إن حضور مهرجان القاهرة للشباب عمومًا مهم جدًا من كذا ناحية، أولهم الأفلام الجديدة سواء الاكتشافات أو الأفلام اللي عرضت قبل كده، ده بيساعد في مواكبة التطور الأسلوبي والبصري ومواضيع الأفلام الشائعة. من ناحية تانية فالظهور ذاته هو في حد ذاته شيء مهم جدًا لأي صانع شاب، لأنه بيدخله بشكل ما إلى الوسط سواء من خلال إن الناس تشوفه فقط أو تشوفه ويتواصل معاهم. إلى جانب ده فهو برضه مهم عشان خاطر ممكن يقابل ناس يساعدهم في مشاريعهم أو يساعدوه في مشروعه. طبعًا كمان حضور الماستركلاسز والورش وغيرها هي فرص مضافة كمان في نفس اتجاهات التشبيك والتعاون. الشيء اللي يضاف لده للشباب من خارج القاهرة هو بشكل ما إنهم بيبقوا عايشين أحيانًا بمعزل عن الوسط، وده بيخليهم يكونوا أفكارًا مش دايمًا بتبقى دقيقة عن الشغلانة، وبالتالي حضور المهرجان بيكسر من ده شوية. كمثال، ممكن مثلًا شاب أو شابة من خارج القاهرة يبقى عندهم مشروع واعد لكنه يحتاج إلى تطوير، فيقدمه لمنصة دعم زي الكايرو فيلم كونكشن، يترفض، فيقول إن الوسط ظالم ومقصي له ولموهبته، لكن مثلًا هو يكون أو هي تكون اترفضت لمجرد إن المخرج ملوش سابقة أعمال أو إن المشروع فيه حاجات كويسة بس محتاج تعديلات طفيفة تخليه أفضل. لما بييجي المهرجان بياخد feedback بيخليه يكسر التصورات التانية دي ويفهم إن محدش له مصلحة في إقصائه، وإنما هو محتاج يشتغل على كذا وكذا وكذا. برنامج النيو ويف هو هدفه كل ما سبق، لكنه برنامج يستهدف كمان الناس اللي مش قادرة تيجي على حسابها. بنحاول نطوره السنة دي بأشكال عدة سنفصح عنها لاحقًا».
ومن خلال تجربتي الشخصية، أستطيع القول إن البرنامج نجح بالفعل في تحقيق جانب من هذه الأهداف. فقد أتاح للمشاركين فرصة مشاهدة عدد كبير من الأفلام المتنوعة، وحضور الندوات واللقاءات مع صناع السينما، كما وفر مساحة للتعارف وتبادل الخبرات بين مجموعة من الشباب الذين تجمعهم الرغبة نفسها في العمل بالسينما وتطوير أدواتهم.
وبطبيعة الحال ما زال البرنامج بحاجة إلى المزيد من التطوير والتوسع حتى يحقق كامل إمكاناته، إلا أن أهميته الحقيقية تكمن في كونه يعكس إدراكًا متزايدًا لدى المهرجان لأهمية الاستثمار في الأجيال الجديدة من صناع الأفلام، وعدم الاكتفاء بدوره التقليدي كمكان لعرض الأفلام فقط. وإذا استمر البرنامج في التطور خلال السنوات المقبلة، فمن المتوقع أن يصبح أحد أهم المبادرات الداعمة للمواهب الشابة داخل مصر، خاصة بالنسبة للقادمين من المحافظات البعيدة عن مركز النشاط السينمائي في القاهرة.
(٤)
ومن تجربة مهرجان الجونة ومهرجان القاهرة إلى تجربة أخرى مع أحد المهرجانات المصرية المهمة، وهو مهرجان أسوان لأفلام المرأة، وتحديدًا برنامج الورش المخصص لصناع الأفلام الشباب.
تقوم فكرة البرنامج على اختيار عدد من أصحاب المشاريع السينمائية في مراحلها الأولى، ثم العمل على تطوير هذه الأفكار من خلال جلسات نقاش وإرشاد، وصولًا إلى مرحلة كتابة السيناريو، قبل أن يتولى المهرجان إنتاج عدد من المشروعات المختارة وتنفيذها لتُعرض لاحقًا ضمن قسم خاص بأفلام الورش.
على الورق تبدو الفكرة جديرة بالترحيب؛ فهي تتيح لصناع الأفلام الشباب فرصة نادرة لتطوير مشاريعهم والحصول على دعم إنتاجي يصعب الوصول إليه في ظروف صناعة تعاني أصلًا من محدودية الفرص. إلا أن تجربتي الشخصية داخل هذا البرنامج دفعتني إلى رؤية مختلفة تمامًا.
فبدلًا من أن تنصب جلسات التطوير على توسيع آفاق المشاريع وصقلها فنيًا، بدا لي أن الهدف الأساسي كان دفع الأفكار نحو صيغ أكثر بساطة وأقل تكلفة إنتاجية، حتى لو جاء ذلك على حساب خصوصيتها أو طموحها الفني. لم تكن المشكلة في محدودية الموارد المتاحة؛ فمن الطبيعي أن تعمل أي جهة إنتاج وفق إمكانياتها. لكن الإشكال كان في أن الاعتبارات الإنتاجية كانت، في كثير من الأحيان، تسبق أي اعتبار إبداعي، وكأن المطلوب ليس تطوير المشروع بقدر ما هو إعادة تشكيله ليتناسب مع ميزانية محددة سلفًا.
كما أن جلسات التطوير نفسها لم تمنحني الانطباع بأنها تقوم على منهج مهني واضح. ففي أغلب الأحيان كان صاحب المشروع يعرض فكرته، ثم تدور مناقشة عامة حولها، يعقبها طلب بعض التعديلات، قبل أن تتكرر العملية ذاتها في اللقاء التالي دون وجود مسار واضح للتطوير أو رؤية متماسكة لما ينبغي أن يصل إليه المشروع في النهاية.
لهذا السبب قررت الانسحاب من تطوير المشروع الذي تقدمت به، وهو فيلم قصير كنت أعمل على كتابته آنذاك. ومع ذلك استمررت في حضور عدد من الجلسات ومتابعة ما يحدث لبقية المشروعات، وهو ما أتاح لي رؤية البرنامج من موقع المشارك والمراقب في الوقت نفسه.
وخلال فترة الورشة شهد البرنامج حالة من التوقف والارتباك بدت غير مفهومة للمشاركين. ثم عاد القائمون عليه بصورة مفاجئة بعد حصولهم على دعم من الجهة المانحة، ليُطلب من أصحاب المشاريع الانتهاء سريعًا من كتابة السيناريوهات وتجهيز أماكن التصوير، تمهيدًا لبدء التنفيذ خلال فترة قصيرة للغاية. وسرعان ما وُضعت جداول التصوير، وأصبح مطلوبًا من الجميع الالتزام بها فورًا.
وكان التبرير المتكرر لهذا الاستعجال أن سوق العمل السينمائي يفرض إيقاعًا سريعًا، وأن على الشباب تعلم كيفية التأقلم مع هذه الظروف. غير أن ما رأيته لم يكن تدريبًا على طبيعة السوق بقدر ما كان نتيجة غياب التخطيط المسبق، وهو أمر مختلف تمامًا.
وخلال تصوير أحد المشاريع التي شاركت فيها كمخرج منفذ، لفت انتباهي أيضًا مستوى محدود من الخبرة لدى بعض أفراد الطواقم الفنية التي جرى الاستعانة بها. وقد انعكس ذلك على سير العمل وعلى جودة التنفيذ في بعض الأحيان، وهو ما أثار تساؤلات حول المعايير التي يتم على أساسها اختيار العناصر الفنية داخل برنامج يُفترض أنه مخصص لدعم المواهب الشابة وتقديم تجربة إنتاجية جادة لها.
خرجت من هذه التجربة بشعور كبير من الإحباط، ليس لأن المشروع الذي تقدمت به لم يُنفذ، وإنما لأن الفكرة نفسها كانت تحمل إمكانية حقيقية لتقديم دعم مؤثر لصناع الأفلام الشباب. وما زلت حتى اليوم أرى أن المشكلة لم تكن في نقص الموارد أو ضيق الإمكانيات، بقدر ما كانت في طريقة الإدارة، وفي الفجوة الكبيرة بين الأهداف المعلنة للبرنامج وما كان يحدث على أرض الواقع.
في النهاية، ورغم اختلاف التجربة من مهرجان إلى آخر، ومن برنامج إلى آخر، من الواجب أن نعترف بأن وجود صناع الأفلام في زحام المهرجان، بين الهرولة للحاق بتذاكر الأفلام المعروضة، وبين تبادل التذاكر مع الأصدقاء لحضور ندوة أو نقاش لصانع يهمك، وبين النقاشات التي تُفتح تلقائيًا مع الآخرين، وبحثك المستمر عن مستثمر لأفكارك ومشاريعك، يُظهر أن هذه التجارب لا غنى عنها لصناع الأفلام.
خاصة الشباب أصحاب التجارب الأولى، لما توفره المهرجانات السينمائية من فرص للاحتكاك بصناع آخرين، مما يتيح لك بدوره فرصة العمل على أفكارك.
ولا ننسى أيضًا أن تجربة المشاهدة نفسها تحمل الكثير من الأهمية كونها مُعلِّمًا أساسيًا لنا، وكون المهرجانات توفر لنا أفلامًا مختلفة بشكل ثري جدًا.